فوزي آل سيف

71

من قصة الديانات والرسل

لا بُدَّ أن نشيرَ إلى أنَّ القرآن الكريم ذَكَرَ التَّوراةَ في عددٍ من الموارد بلسان التَّكريم والتعظيم باعتبارها أي التَّوراة الأصليَّة من كتب الأنبياء، ومما أنزل الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يعني تزكية (النسخ) الموجودة بالفعل. ـ فقد قال الله تعالى في القرآن: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا..)[211]وتشير هذه الآية إلى أن الألواح وهي التي جاءت في التوراة، كان فيها مواعظ وتفصيلات أحكام لكل ما يحتاجه المؤمن من أتباع موسى عليه السلام. ـ وفي آية أخرى يصف التوراة بأن فيها حكم الله، (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).[212] ـ وفي ثالثة من آيات القرآن يصفها بأنها فيها هدى ونور(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ)[213]وواضح لغة التكريم والتأييد في الآية المباركة فإن تعبير النور والهدى لا يعبر به إلا عن كتبه ووحيه المقدس.. ومن المهم جدًّا أن نجعل هذه الملاحظة حاضرة وهي أن التوراة الأصلية حين النزول ومع وجود النبي موسى وضمن حقبته وقبل أن يطرأ عليها التحريف كانت تحمل هذه الصفات، وأما بعد أن طرأ عليها التحريف وتعرضت للتغيير والتبديل على مراحل يأتي الحديث عنها فقد فقدت هذه الصفات لاختلاط الهدى بالضلال والنور بالظلمات وحكم الله بأهواء البشر في ذلك الكتاب، هذا بالإضافة إلى أنها مع مجيء رسالات سماوية أخر قد انتهت صلاحيتها حتى لو لم تحرف فكيف وقد حُرّفت وغيرت؟ ولنكن مع عموم التراث اليهودي والمصادر التي يأخذ منها اليهود عقائدهم وشرائعهم وأهمها بلا ريب التوراة. أولا: التوراة تعني في العبرية وهي اللغة التي نزلت بها، (التعليم) وحجمها صغير بالقياس إلى باقي الكتب والشروح للتعاليم. وهي تحتوي على خمسة أسفار[214]؛ وتنقسم هذه الأسفار إلى إصحاحات[215] والإصحاح أشبه بالفصل في الكتب المعروفة. ومجموع التوراة يقسم إلى أربعة وخمسين جزءًا، تقرأ عادة في الكنيس (محل العبادة) يوم السبت. والأسفار الخمسة هي: الأول: سِفْر التكوين، وهو يصف بداية الخلق، وفيه قصة آدم في الجنة ثم نزوله إلى الأرض، إلى قصة نوح والطوفان، ثم قصة إبراهيم ولوط وحياة يعقوب وإسحاق ويوسف.. وكل سِفر فيه آيات، عبارة عن كلمات يفصل بينها فاصل، مثلما نجد في القرآن الكريم، لكن الفرق كبير جدا بين الكلام الموجود في التوراة والآخر الموجود في القرآن ففيما يعد الثاني معجزا في بلاغته ودقته فإن الأول لا يحمل تلك البلاغة، ولعل نظرة سريعة لبعض ما جاء فيه تلفت إلى هذه الملاحظة فهذه عدة آيات كما في الترجمة العربية للتوراة من سفر التكوين حول بداية الخلق: "في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه

--> 211 الأعراف: 145 212 المائدة: 43 213 المائدة:44 214 لسان العرب: السّْفْر بالكسر الكتاب، وقيل هو الكتاب الكبير وقيل هو جزء من التوراة 215 التقسيم إلى اصحاحات وكذلك إلى آيات حدث في وقت متأخرا جدا.